أنت هنا

يكتسب علم التاريخ أهميته من كونه يدرس ويفسر حوادثوأعمال أرقى وأشرف المخلوقات وهو الإنسان، ولا تقتصر فوائد وأهداف دراسة التاريخ على تفسير حوادث وأوضاع الماضي لأخذ العبرة، بل تتعدى ذلك إلى استقرار أوضاع الحاضر والمستقبل من خلال دراسة الوقائع والخبرات السابقة، ولذلك فإن علم التاريخ علم مهم لتتبع المسيرة البشرية.
وتبرز أهمية التاريخ في نشأة الحركة التعليمية في المملكة أنه كان أحد قسمين يؤسسان في جامعة الملك سعود أقدم جامعة في البلاد حين أنشئت في عام 1377هـ/1957م. وقد استقطب القسم منذ ذلك الوقت أساتذة مرموقين ومؤرخين كبار من داخل المملكة وخارجها وأبتعث عدد كبير من خريجيه إلى جامعات مشهودة في أوروبا والولايات المتحدة للدراسة والعودة إلى بلادهم لحمل الرسالة العلمية فيها.
وخلال الخمسين عاماً الماضية تخرج من القسم آلاف الخريجين الذين خدموا بلادهم في مواقع عليا في الدولة، فصار منهم الوزراء والمدراء والسفراء وكبار الموظفين ورجال الأعمال والمفكرين والعلماء والباحثين والكتاب الذين أسهموا في إدارة وتطوير المصالح والمؤسسات المختلفة في وطنهم، ولم يقتصر تدريس التاريخ في جامعة الملك سعود على الذكور فقط بل التحق بالدراسة آلاف الطالبات اللاتي كانت أعدادهن تتجاوز أعداد الطلاب أحياناً مما أسهم في فتح مجال التعليم الجامعي للمرأة في هذه البلاد، كما أتاح القسم المجال للدراسة بالانتساب قبل عام 1394هـ/1974م إسهاماً منه في نشر التعليم على نطاق واسع.

تبنى قسم التاريخ خلال العقود الأولى من إنشائه الدراسات الآثارية فصار يدرس علوم الآثار إلى جانب التاريخ، وحين نضجت الدراسات الآثارية فيه وأصبحت تشكل علماً قائماً بذاته انفصلت الدراسات الآثارية لتشكل قسماً مستقلاً منذ عام 1395هـ/1975م فكان لقسم التاريخ الفضل في نشأة قسم الآثار والسياحة الذي أصبح الآن كلية مستقلة.
طور قسم التاريخ مناهجه وخططه خلال الخمسين عاماً الماضية من عمره، وكان تطوير المناهج والخطط يتماشى ويساير برامج التنمية في البلاد لخدمتها وتوفير الكوادر اللازمة لها.
وكانت أهم أهداف القسم هي المساهمة في تنمية الحركة العلمية والثقافية في البلاد وتخريج الكوادر التي تحتاجها المملكة من معلمين وباحثين ورجال إدارة وثقافة وقادة مجتمع وذلك عن طريق تأهيل الطلاب بالعلوم التي تزودهم بالخبرة وتوسع مداركهم وتبني شخصياتهم وتصنع منهم مواطنين مؤهلين لخدمة مجتمعهم وبلادهم وذلك من خلال تدريس مقررات عامة ومتخصصة في تاريخ العصور المختلفة.

لم يقدم قسم التاريخ على فتح المجال للدراسات العليا إلا بعد أن توفرت فيه الكوادر اللازمة من أعضاء هيئة التدريس الوطنيين والأجانب، فمنحت أول درجة ماجستير من القسم في عام 1398هـ/1978م , كما منحت أول درجة دكتوراه في عام 1413هـ/1993م، ومنذ ذلك الوقت تقدم برنامج الدراسات العليا في القسم تقدماً حثيثاً حيث تخرج منه عشرات الخريجين الذين سدوا فراغاً كبيراً في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والإدارة في البلاد.

إن أهداف وأهمية قسم التاريخ لا تقتصر على تخريج ما تحتاجه البلاد من حاملي درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه فحسب، بل إن هذا القسم بيت خبرة ومؤسسة مرجعية مهمة للقضايا الوطنية ذات الطابع التاريخي التي تحتاجها الدوائر والمؤسسات الحكومية والمصالح العامة والخاصة في المملكة وذلك لكونه أقدم قسم للتاريخ في البلاد ولكونه يضم نخبة من أبرز الأساتذة والمؤرخين المتخصصين في تاريخ المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية والعالم الإسلامي.

لقد خدم قسم التاريخ بجامعة الملك سعود تاريخ المملكة العربية السعودية لمدة نصف قرن عن طريق تخريج المختصين والباحثين في تاريخ هذه البلاد وتأليف الكتب والموسوعات وكتابة ونشر البحوث حول تاريخ المملكة في الداخل والخارج والاشتراك في الندوات والمؤتمرات في داخل المملكة وخارجها وإقامة الندوات والجمعيات التاريخية التي من أهمها ندوة تاريخ الجزيرة العربية التي تعقد كل أربع سنوات منذ عام 1397هـ/1977م إلى الآن والجمعية التاريخية السعودية التي تأسست في عام 1408هـ/1988م وتعقد لقاءً سنوياً منذ ذلك التاريخ.
إن قسم التاريخ بجامعة الملك سعود حريص على مواكبة التطور الذي تمر به البلاد خلال العقود الأخيرة والتغيير الذي طرأ على سوق العمل وحاجات الوطن، ولذلك فهو الآن بصدد تحديث خطته الدراسية ومناهجه لكي تتوائم وتتناسب وتخدم حاجات المواطن والوطن، وستتضمن الخطة الجديدة انفتاحاً على العلوم العامة والمهارات الضرورية والتخصصات الأخرى وذلك لكي يتمكن خريجو القسم من خدمة بلادهم على الوجه المطلوب.

رئيس قسم التاريخ

د. عبدالرحمن بن عبدالله الأحمري